من التخريب إلى الإدارة: رحلتي في ويكيبيديا العربية

Translate this post
Arabic Wikipedia day 21

لم أكن أتخيّل يومًا أن نقرة فضولية على موقع ويكيبيديا ستغيّر مسار حياتي الرقمية، وتنقلني من مجرد متصفح عابر إلى إداري نشِط يحرّر يوميًا في موسوعة حرة تضم ملايين المقالات.

قبل أن أعرف ويكيبيديا من الداخل، كنت أقضي وقت فراغي بين الألعاب الإلكترونية وتطبيقات التواصل الاجتماعي. لم يكن لدي اهتمام عميق بأي مشروع معرفي، إلى أن بدأت أسمع عن العملات الرقمية وتقنيات التعمية، فقررت أن أبحث عن معلومات موثوقة، ووجدت نفسي أمام صفحات ويكيبيديا التي فتحت لي بوابة واسعة نحو عالم جديد من المحتوى.

مِن هناك، ولدت فكرة: لماذا لا أشارك في تحرير هذه المقالات؟ لماذا أظل مستهلكًا للمعرفة من غير إنتاج؟

دخلت ويكيبيديا بنية الاكتشاف، لكني اصطدمت سريعًا بجدار الجهل بسياسات الموسوعة وبآلية التحرير. لم أكن أعرف كيف تُكتب المقالات ولا كيف تُنشَر، وبدافع الحماسة – وربما التسرّع – بدأت أضيف وأعدّل تعديلات عشوائية، دون إدراك أن ما أعمله يُعدّ ”تخريبًا“ حسب معايير الموسوعة.

النتيجة؟ مُنعتُ ثلاث مرات، وكانت كل مرة أشد وقعًا من التي قبلها. شعرت بالإحباط، بل فكّرت أحيانًا في ترك الموقع بالكامل. لكن شيئًا في داخلي كان يدفعني للعودة، صوت داخلي يخبرني بأن لي مكانًا هنا، إن تعلّمت الطريق الصحيح.

المنع الثالث كان نقطة تحوّل. كانت مدته  14 يومًا، لكنها كانت الأهم في رحلتي. خلال تلك الأيام، قررت أن أتعلّم بدلًا من أن أندم. بدأت أقرأ السياسات، صفحة تلو الأخرى، وتعمقت في الإرشادات، وفهمت أخيرًا كيف تُبنى المقالات، وكيف تُدار النقاشات، وكيف أن ويكيبيديا ليست مجرد منصة كتابة، بل مجتمع له نظامه وثقافته.

ما ساعدني حقًا في هذه المرحلة كان لقاء جمعني بالزميل ميشيل بكني خلال إحدى الورشات التعليمية، والذي قدّم لي الدعم والمشورة بصبر وأسلوب راقٍ. كانت كلماته بمثابة بوصلة أعادت توجيه مساري، وعلّمتني كيف أكون محررًا نافعًا، لا عبئًا على المحتوى.

مرت الأيام، وتحوّل تعلّمي إلى ممارسة، والممارسة إلى شغف، والشغف إلى مساهمة فعّالة. كتبت مئات المقالات، وطوّرت الآلاف منها، وتجاوزت تعديلاتي في ويكيبيديا العربية وحدها أكثر من 63 ألف تعديل، وفي جميع مشاريع ويكيميديا أكثر من 110 آلاف.

وفي عام 2024، حصلت على مفاجأة لا زلت استرجعها بدهشة: ترشيحي لمنصب إداري في ويكيبيديا العربية، وكان من رشحني هو نفسه الإداري الذي سبق أن منعني ثلاث مرات! لحظة لا توصف… فهي ليست مجرد ترقية، بل شهادة حية على أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته، إذا صحبته إرادة التعلّم.

بعدها بفترة قصيرة، أصبحت إداريًا في ويكي بيانات أيضًا، وبدأت أمارس مهامي هناك بشغف مختلف، حيث تُبنى المعرفة على هيئة بيانات مترابطة تخدم كل مشاريع ويكيميديا.

لكن بالطبع، العمل الإداري ليس نزهة. تظهر العقبات والتحديات، خاصة في اتخاذ قرارات تحاول أن توازن بين السياسات ومبدأ التوافق، وفي بعض الأحيان تجد نفسك وسط نقاشات محتدِمة، أو بين أطراف تتباين رؤاها. تعلمت من هذا الجانب أن الإدارة ليست سلطة، بل مسؤولية، وأن الحياد والهدوء هما سلاحا الإداري الحقيقي.

اليوم، أصبحت ويكيبيديا جزءًا من روتيني اليومي. لا يمرّ يوم دون أن أحرّر أو أساهم، وكأنها أصبحت نبضًا آخر في حياتي. فهي ليست فقط موسوعة… بل مجتمع، ورسالة، وتجربة حياة.

وإن كنت تقرأ قصتي الآن، وتعتقد أن بدايتك المتعثرة قد تعيقك، فأنا هنا لأقول لك: لا تدع البدايات تُخيفك، فربما يكون أول سقوط هو ما تحتاجه لتقف أقوى، وتصل أبعد مما كنت تتخيل.

Can you help us translate this article?

In order for this article to reach as many people as possible we would like your help. Can you translate this article to get the message out?