
في أكتوبر الماضي، قبلتُ دعوة مؤسسة ويكيميديا للعمل كموجه استراتيجي لمجموعة مستخدمي ويكيميديا السودان. في البداية، كانت المهمة تبدو مباشرة وواضحة: مساعدة مجتمع تطوعي على الانتقال من مرحلة “الاستجابة للأزمات” إلى مرحلة “الاستقرار المؤسسي”. لكن في السياق السوداني، لا شيء مباشر أو بسيط.
سعدت وتشرفت بالعمل مع مجموعة متطوعين يحاولون بنجاح تحويل المعرفة إلى شكل من أشكال المقاومة. قبل هذه المبادرة، كان مجتمع ويكيميديا السودان يعمل في وضعية حفظ البقاء. لم تكن المجهودات مركزة رغم قوتها. يحاول المتطوعون المساهمة، لكنهم غارقين في تفاصيل الحرب اليومية.
التصميم الاستراتيجي استهدف مبدئيًا “بناء القدرات”، ولكنه أصبح في جوهره عملية “وضع أساس نفسي”، حيث كنا بحاجة ماسة لتغيير السردية من “العمل رغم الألم” إلى “العمل على علاج الألم”.
من رحم هذه الضرورة، ولدت فكرة البرنامج التدريبي لعام 2025 كآلية لاستعادة الزمام وروح الاستباق. وبينما كنا نبدأ في بناء “الهندسة الهيكلية” للمجموعة، من صياغة اللوائح ووضع أسس الحوكمة إلى تصميم مسارات العمل، كنا نبني كيانًا جديدًا. كنا نقول عمليًا: “قد تسيطر الحرب على الأرض، لكننا نسيطر على التاريخ!”.
ومن الظلم اختزال هذا النجاح ووصفه بالمعجزة المفاجئة. فهو في الواقع تتويج لخمس سنوات من الحفر في الصخر! كانت مجموعة مستخدمي ويكيميديا السودان تمهد الأرض لهذه اللحظة قبل وقت طويل من تصاعد الحرب.
ما جعل الأشهر الأربعة الماضية مختلفة هو صعوبة العائق. فإدارة برنامج تدريبي مدته 35 ساعة، مع تنسيق المجموعة مع ميرفت سلمان ومجموعة متنوعة من المدربين وإداريي ويكيبيديا عربي، تطلب مستوى من “العبقرية اللوجستية”، والتي غالبًا ما تمر دون ملاحظة من أحد في “المناطق المستقرة”.
كل جلسة زوم عُقدت كانت خطوة إيجابية ضد انهيار البنية التحتية، وكل انتاج اكتمل مع ورش العمل كان تحديًا للفوضى في الخارج. كان دوري ضمان توجيه هذه الطاقة في هيكل حوكمة صلب الأساس، يضمن استمرار المجتمع في العمل حتى لو أُجبر المساهمون على الابتعاد.
تعلمت المجموعة فن الحفظ الرقمي. ففي بلد تتعرض فيه الأرشيفات والمتاحف والمواقع التاريخية لتهديدات مباشرة، تتحول مشاريع ويكيميديا إلى “سفينة نوح رقمية”.
نظر المشاركون إلى محيطهم بعين نقدية وتوثيقية عبر ورش العمل؛ وهو أثر غالبًا ما تغفل عنه المقاييس الرقمية. لطالما افتخر عصر الموسوعات التقليدية بوجود حراس المعلومة، أما الآن، تستمر مجتمعات ويكيميديا في الحصول على داعمين ورعاة ومنسقين، ونحن دائمًا بحاجة ماسة للكثير والمزيد منهم.
تعتبر العزلة أحد أقسى جوانب الحرب. غالبًا ما نشعر أن الحرب في السودان منسية من العالم. مع هذا البرنامج، تكونت جسور عبر شراكات مثل “مبادرة وادي النيل”، وبدعم من موجهين من المنطقة العربية، أعاد المجتمع السوداني التواصل مع شبكات المعرفة بحيوية. تجاوز تفاني المدربين والفريق الأساسي الواجب المهني، ليثبت أن مجتمع المتطوعين شبكة أمان تلتقطنا عندما تتداعى البنية التحتية المحلية.
اليوم، وأنا أراجع التقارير النهائية للبرنامج، أرى كيان على مستوى عال من النضج المؤسسي. فقد نجحت مجموعة ويكيميديا السودان في تحويل فوضى التركيز على البقاء والنجاة إلى الاستقرار المؤسسي، وأثبتوا أنه مع نظام صحيح للحوكمة، والذي عملنا بجد لبنائه، مع الروح القوية والصادقة، يمكن للمجتمع تحقيق النجاة من الحرب، بل يمكنه توثيق ذاكرة وطن!
لقد انتزعنا هذا النجاح من عرين الظروف المستحيلة، وساهم التدريب في تغيير البشر قبل المقالات. وبذلك، أثبتنا أنه في مواجهة الدمار، يعتبر البناء من أكثر الأفعال راديكالية وشجاعة!
Can you help us translate this article?
In order for this article to reach as many people as possible we would like your help. Can you translate this article to get the message out?
Start translation