حل الألغاز معًا

Translate this post
Maryana Iskander at Wikimania Singapore 2023

في السادس من مايو/أيار 2025، أعلنتُ قراري بالتنحي عن منصبي جزءًا من عملية انتقال مُخطط لها مُسبقًا في منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة ويكيميديا. غدًا، سأنضم إليكم جميعًا في الترحيب الحار ببرناديت ميهان مع بدء مهامها رسميًا.

احتفلت ويكيبيديا بيوم ميلادها الخامس والعشرين الأسبوع الماضي! لقد كان شرفًا عظيمًا لي أن أخدم هذا المسعى الإنساني الرائع، هذا العمل الفريد والقوي والدائم، والذي لا مثيل له في تاريخ البشرية جمعاء. لقد استمتعتُ بالتعلم من المتطوعين في جميع أنحاء العالم، وبمشاركة ما تعنيه ويكيبيديا للعالم.

في يومي الأخير، أقدم لكم هذه الخواطر الختامية لأختتم المسيرة التي بدأتها في أواخر عام 2021.

إغلاق الدائرة

خلال جولة استماعٍ قمت بها قبل انضمامي إلى مؤسسة ويكيميديا، أتيحت لي فرصة التحدث مع ما يقارب 300 شخص من 55 دولة، والالتقاء بمئاتٍ آخرين من خلال فعالياتٍ مجتمعية. استمعت إلى العديد من الآراء القوية المتعلقة بمشاريع ويكيميديا، والمؤسسة، وأساليب عملنا المشترك، وضرورة الاستجابة بشكلٍ أفضل للعالم من حولنا.

ثم لخصّت ما استمعت إليه في صورة هذه الألغاز الخمسة – أسميتها «ألغازًا» لأنني شعرت أنها تتطلب إبداعًا جماعيًا وحلولًا مشتركة لتحقيق طموحاتنا ومواجهة التحديات المعقدة معًا. وبالتأكيد لم أستطع حل أيٍ منها بمفردي. بالنسبة لي، لا تزال هذه الألغاز توجه ما أعتقد أنه أهم عمل ينتظرنا في الاستجابة للعالم من حولنا، والذي يبدو أكثر غموضًا وتقلبًا بالنسبة للكثيرين منا.

«ماذا يحتاج العالم منّا الآن؟»

كان اللغز الأول – الذي يسأل «ماذا يحتاج العالم منا الآن؟» – هو الموضوع الوحيد الذي اتفق فيه أعضاء ويكيميديا ​​بشدة. كان هناك إجماعٌ واسعٌ على الحاجة المُلحة لمشاريع ويكيميديا، الآن أكثر من أي وقتٍ مضى. قبل أربع سنوات، تحدث إليَّ الكثيرون منكم عن المعلومات المُضللة والكاذبة وإلغاء الوساطة والاستقطاب، وأنَّ مبادئنا المتمثلة في المعرفة المفتوحة والحياد أساسية وغير قابلة للتفاوض. وقد ازداد هذا الأمر وضوحًا الآن.

ومع ذلك، أعرب عددٌ عن قلقهم من أن «لدينا نظرة مُنغلقة جدًا للعالم»، وأننا قد نكون «منغلقين على أنفسنا أكثر من اللازم… واحة زائفة لا تتفاعل بما فيه الكفاية مع العالم الخارجي». أخبرني الكثيرون منكم أننا بحاجة إلى طرح المزيد من الأسئلة الجوهرية، مثل: «هل ما زلنا مُهمين مُقارنةً بالعديد من المنصات الإلكترونية الأخرى؟ لماذا يلجأ إلينا الناس؟ ما مدى سهولة استخدام تقنيتنا؟» وعندما استفسرت أكثر، سمعت: «في بعض القضايا الحساسة للغاية، لا نملك بياناتٍ أساسية».

في هذا الصدد، أشعر أننا حققنا تقدمًا ملحوظًا، مع العلم أنه في ظل الإنترنت المُتغير باستمرار، هناك دائمًا المزيد مما يجب فعله. عندما انضممتُ، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُشكّل بعدُ منظومة الإعلام الرقمي بالوتيرة الحالية، لكن الدور المحوري الذي تلعبه ويكيبيديا كعمود فقري للمعرفة على الإنترنت كان واضحًا. في مؤسسة ويكيميديا، أعدنا صياغة جميع خططنا لنبدأ دائمًا بنظرةٍ خارجية – إلى البيانات والأبحاث والاتجاهات التي يجب أن نواجهها حول كيفية استخدام الناس للإنترنت بشكلٍ مختلف، أو ما هي اللوائح الجديدة التي ستؤثر على عملنا، أو كيف نتحدث بجرأةٍ أكبر عن الإحصائيات التي تُظهر انخفاض عدد المستخدمين لمنصتنا في ظل تزايد الاعتماد على الوسطاء. كان علينا أن نُدرك أن ويكيبيديا تزداد أهميةً ولكنها تتراجع في الظهور مع استخدام محتواها وإعادة استخدامه والاعتماد عليه عبر الإنترنت، في كل مكانٍ في العالم.

يجب أن يستمر هذا التحدي في توجيه مستقبلنا. لضمان ألا نصبح منعزلين أو خائفين للغاية، فنفشل في الاستجابة لعالمٍ سريع التغير يحتاج إلى مشاريع ويكيميديا ​​الآن أكثر من أي وقتٍ مضى.

جعل جميع المساهمات ذات قيمة

كان التحدي الثاني هو كيفية سد فجوات المعرفة وجعل جميع المساهمات ذات قيمة. إن التركيز التاريخي على «عدد التعديلات» مقياسًا وحيدٍ للمساهمة يُغفل الكثير من الأمور التي نحتاج فيها إلى المزيد من الأشخاص الذين يشاركوننا رؤيتنا وقيمنا. هناك إدراك بأن هناك طرقًا عديدة لتعزيز مشاريع ويكيميديا، بل هناك طرق كثيرة مطلوبة الآن: نحتاج إلى المزيد من الأشخاص لتحرير المقالات، وتحميل الصور، وتنظيم وبناء المجتمع، وتنمية شراكات قوية.

شهدت السنوات القليلة الماضية تعزيزنا والاحتفاء بهذه الأشكال المتعددة من المساهمات – من ويكي سليبريت إلى ويكيميدي العام – بدءًا من المؤثرين الذين يشرحون ويكيبيديا للعالم، مرورًا بـ”المستخدمين ذوي الصلاحيات الموسعة” الذين يحافظون على استمرارية العمل، وصولًا إلى المساهمين في كل مكان الذين يضيفون محتوى بمئات اللغات. على سبيل المثال، أدى دعمنا المتزايد لويكيمانيا (التجمع السنوي للمتطوعين العالميين)، بالإضافة إلى المؤتمرات الإقليمية والموضوعية والمجتمعية، إلى تسجيل أعدادٍ قياسيةٍ من المساهمين يجتمعون معًا لوضع الاستراتيجيات وتبادل الخبرات والتعلم حول قضايا تتراوح من الذكاء الاصطناعي إلى التحسينات التقنية.

بقيادة بشرية، مدعومة بالتقنية

كان التحدي الثالث هو كيفية دعم مهمة بقيادة بشرية مدعومة بالتقنية. تقوم مشاريع ويكيميديا ​​على فكرة ثورية مفادها أن أي شخص، في أي مكان، يمكنه المساهمة بشكلٍ تعاونيٍ وفوريٍ في إثراء المعرفة البشرية. وبعد 25 عامًا، حقق مئات الآلاف من المساهمين هذا الوعد الذي قطعه الإنترنت. وهذا يحمل دروسًا قيمة لقادة المجتمع، وصناع السياسات، والمنصات الأخرى حول العالم.

أدركتُ أن لمؤسسة ويكيميديا ​​دورًا محوريًا في تشكيل وتمكين البنية التحتية التقنية التي تُعدّ أساسية لكل جانب من جوانب هذه المهمة. ورغم أننا لا نستطيع حل هذا التحدي بمفردنا، فقد توليتُ مسؤولية القيادة والتركيز والوضوح اللازمين لتحسين دعمنا التقني وفعالية تنفيذه.

وفي هذا الصدد، قمنا بإعادة توجيه مؤسسة ويكيميديا ​​بأكملها بشكل فعّالٍ لإعطاء الأولوية لهذه المسؤوليات. ولعلَّ أفضل قرار اتخذته بصفتي الرئيس التنفيذي هو إقناع سيلينا ديكلمان بالانضمام إلينا – فقد حققت سجلًا حافلًا بالإنجازات في ثلاث سنوات فقط، مُثبتةً أن التغيير ممكن في المؤسسة. أضفنا مراكز بيانات جديدة، وأولينا الأولوية للصيانة الأساسية للميدياويكي، وسرعنا من وتيرة دعم المستخدمين بمنحهم صلاحياتٍ موسعة. كما نشارك معلوماتٍ أكثر شفافية حول تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على حركة البيانات وبنيتنا التحتية التقنية، ونقود استراتيجياتٍ لمواجهة هذه التحديات. في الأسبوع الماضي، أعلنا علنًا عن المزيد من الشراكات مع شركات التقنية التي تعتمد بشكلٍ كبير على محتوى ويكيميديا، وذلك في إطار تعزيز نظام إعادة الاستخدام المسؤول الذي يُسهم في إثراء مواردنا الرقمية المشتركة.

حركة عالمية

كان اللغز الرابع يدور حول حركتنا العالمية الحقيقية. فمع وجود أكثر من 300 لغة في موسوعة ويكيبيديا، تتجاوز تعدد لغاتنا أي منصة إلكترونية أخرى في العالم، وهو أحد نقاط قوتنا. ومع ذلك، يكمن اللغز في أن حواراتنا وقراراتنا لا تزال تهيمن عليها اللغة الإنجليزية. ورغم أننا لسنا المجموعة الوحيدة التي تواجه هذا التحدي، إلا أنني أعتقد أنه يُكبّدنا تكاليف باهظة فيما يتعلق بهدفنا الاجتماعي والموسوعي.

في السنوات القليلة الماضية، وسّعت مؤسسة ويكيميديا ​​نطاق دعمها للترجمة الفورية والتحريرية من 6 لغات إلى أكثر من 30 لغة. وقد أعدنا توجيه العمل البرنامجي في الخطة السنوية للمؤسسة للتركيز بشكلٍ أكبر على المجتمعات اللغوية الإقليمية والموضوعية والمحلية، حتى يتمكن الأشخاص الأقرب إلى القضايا من تحديد الفرص وحل المشكلات معًا. فعلى سبيل المثال، تهدف اللجنة التجريبية لتوزيع الموارد العالمية، التي أُطلقت عام 2024، إلى وضع الموارد بشكل مقصود في أيدي المجتمعات العاملة بلغاتٍ غير الإنجليزية واللغات الأقل تمثيلًا، مما يزيد من مشاركتها في صنع القرار على مستوى الحركة. لقد سررتُ أيضًا بالترحيب ببوبي شابنغو كأول متطوعٍ من إفريقيا يُنتخب لعضوية مجلس الأمناء.

نحن الآن في لحظةٍ أدرك فيها أننا جميعًا نستطيع أن نتعلم المزيد من زملائنا حول العالم حول كيفية استجابتهم للتهديدات التي تُمارسها جماعات المصالح الخاصة، والشخصيات المؤثرة، والحكومات التي تسعى إلى تقويض مصداقية المعلومات التي قد لا تتفق معها. لديّ قناعة راسخة بأن استجابتنا لهذه التهديدات، في الولايات المتحدة حيث مقر المؤسسة، وفي جميع أنحاء العالم، تستند إلى قيمنا ولن تتغير تحت وطأة الضغوط.

سنرحب دائمًا بكل من يشاركنا رؤيتنا وقيمنا – هذا لن يتغير. سنحمي دائمًا المتطوعين ومشاريع ويكيميديا ​​وندافع عنها من الضغوط والمضايقات والتدخلات – هذا لن يتغير.

يجب علينا أيضًا أن نبقى منفتحين دائمًا على الأفكار التي تُساعدنا على التحسين إذا أردنا أن نكون أكثر تأثيرًا مما نحن عليه اليوم – سواء كان ذلك من خلال الحفاظ على الحياد أو الاستجابة للملاحظات التي تُشير إلى حاجتنا لشرح مصادرنا بشكلٍ أوضح للجمهور. أعتقد أن تواضع ويكيبيديا في التغيير والتحسين الدائمين سيبقى ثابتًا لا يتزعزع.

المشاريع والمنظمات: نُغيّر أنفسنا بوتيرةٍ أسرع

بالنسبة لي شخصيًا، كان التحدي الأكبر خلال فترة إدارتي التنفيذية هو الأخير، والمتمثل في كيفية تعاوننا ضمن مجتمعات لا مركزية لتحقيق إنجازاتٍ عظيمة في العالم. سألت الجميع عند تولي المنصب: كيف نستند إلى ركائز ومبادئ مشتركة رغم أن منظماتنا لا تُدار بنفس طريقة مشاريع ويكيميديا؟

لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا نحو هذا الهدف، لا سيما داخل مؤسسة ويكيميديا. ولا يزال هناك مجال للحوار ليس فقط حول التحسينات التدريجية، بل أيضًا حول التحول الشامل في هيكلنا لتحقيق رؤيتنا في السنوات القادمة. أنا ممتنةٌ للعديد من الأشخاص الذين أقروا بهذه التحسينات وشاركوا مقترحاتهم لمساعدتنا على التطور والتحسين.

مع أنني كاتبة هذه المقالة، فإنَّ الإنجازات التي تصفها هي ثمرة جهود آخرين: مجلس أمناء المؤسسة، الذين قدموا لي دعمهم الثابت دائمًا؛ وفريقنا التنفيذي المتماسك ذو الكفاءة العالمية، الذي يواصل تقديم القيادة والمساءلة في العديد من المجالات الحيوية التي تجمع بين التحدي والنجاح؛ بالإضافة إلى مئات الموظفين وآلاف المتطوعين الذين يظلون ملتزمين تمامًا بالنجاح الجماعي.

فرصةٌ تاريخيةٌ للأجيال القادمة

كما تعلمون، أطلقنا مبادرة ويكيبيديا في عامها الخامس والعشرين (Wikipedia@25)، وهي فرصةٌ فريدةٌ من نوعها لنروي قصص هذا المجتمع العالمي الملهم! لنذكّر العالم بأن قيمنا ومبادئنا قد صمدت أمام اختبار الزمن، وستظل كذلك لأجيالٍ قادمة. صحيحٌ أن ويكيبيديا تُعرف بأنها «الشبكة المعلوماتية التي تربط العالم الرقمي بأسره»، إلا أنني أعتقد أن سبب وجودنا هنا هو رسالةٌ أعمق. لنتساءل: ما الذي يتطلبه الأمر لخلق عالمٍ – لا مجرد تخيله – يستطيع فيه كل إنسانٍ أن يشارك بحريةٍ في مجموع المعرفة البشريَّة؟

أنا فخورةٌ بالتقدم الذي أحرزناه في تعزيز الثقة بويكيبيديا، في عالمٍ يزداد استقطابًا وتشتتًا؛ وبالنجاحات التي حققناها في تمثيل نموذج ويكيبيديا وشرحه للهيئات التنظيمية والقضاة والمشرعين والمانحين وعامة الناس في كل مكان؛ وأنا فخورةٌ بالدعم التقني واللغوي والمالي المتنامي الذي قدمته المؤسسة لمجتمعات المتطوعين في جميع أنحاء العالم.

أنا فخورةٌ للغاية بالتقدم الذي أحرزناه في تغيير أنفسنا، كمجتمعات وكحركة عالمية. في انفتاحنا على الأفكار الجديدة، وعلى المزيد من التجارب، وعلى طرح أسئلة أكثر عمقًا. في مواجهة التحديات الكبيرة التي نتجاهلها، وفي اتخاذ قرار بمواجهتها معًا. أعلم أننا عندما نغير أنفسنا، نستطيع تغيير أي شيء. أتمنى أن نبقى جريئين في تغيير أنفسنا لنكون قادرين على التكيف في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلينا.

لقد كان لي شرفٌ كبيرٌ أن أتولى مسؤولية الرئيس التنفيذي خلال السنوات الأربع الماضية، وأن أساهم في هذه المهمة الملهمة، وأن أكون جزءًا من مجتمع عالميٍ يبني عالمًا أفضل.

شكرًا لكم مجددًا. سأتابع بشغفٍ ما ستقدمونه لنا في المستقبل!

Can you help us translate this article?

In order for this article to reach as many people as possible we would like your help. Can you translate this article to get the message out?