
في الفترة من 30 يناير إلى 1 فبراير 2026، حظيتُ بفرصة المشاركة في “مختبر مستقبل ويكيميديا” (Wikimedia Futures Lab) في فرانكفورت، ألمانيا، والذي نظمته “ويكيميديا ألمانيا” بالتعاون مع “مؤسسة ويكيميديا”. جمع المختبر مجموعة من الويكيميديين من مختلف المناطق والأدوار والخلفيات لاستكشاف التوجهات العالمية الناشئة، والتأمل في تأثيرها على حركتنا، وتجربة أفكار قد تساعد ويكيميديا على الحفاظ على مكانتها وتأثيرها في عالم يتغير بسرعة.
وبدلاً من أن يكون مساحة لاتخاذ القرار أو وضع الاستراتيجيات، صُمم “مختبر المستقبل” عمداً ليكون بيئة مدفوعة بالمجتمع لتوليد الأفكار؛ مكاناً للاستماع، والتشكيك في الافتراضات، واستكشاف الاحتمالات. واتبع البرنامج هيكلاً بسيطاً ولكنه فعالاً: تعلّم، فكّر، ونفّذ.
اليوم 1 — تعلّم
ركّز اليوم الأول على التعلّم والاستماع. فمن خلال الكلمات الافتتاحية، والجلسات الحوارية، ومجموعات العمل المصغرة، استكشفنا التوجهات التي تشكل كيفية استهلاك الناس للمعرفة وإنشائها والوثوق بها اليوم؛ بدءاً من إعادة استخدام المحتوى والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى التحولات في السلوكيات والمنصات الرقمية.
وما اتضح سريعاً هو أن قيمة هذه الجلسات لم تكن تكمن فقط فيما شاركه الخبراء الخارجيون، بل في رد فعل مجتمع ويكيميديا تجاهها. ففي النقاشات التي تلت ذلك سواء في غرف العمل، أو في الأروقة، أو حتى في طوابير القهوة بات من الجلي أنه على الرغم من أن هذه التوجهات عالمية، إلا أن آثارها تختلف بشكل كبير باختلاف المناطق والمجتمعات.
تأمل شخصي:
إن سماع وجهات النظر من سياقات محلية مختلفة ذكرني بأن مستقبل ويكيميديا لا يمكن تصميمه من وجهة نظر واحدة. فالتحديات المتشابهة قد تتخذ أشكالاً مختلفة تماماً على أرض الواقع. وهذا ما عزز أهمية المرونة والحساسية تجاه الخصوصيات المحلية عند تخيّل ما سيأتي لاحقاً، بدلاً من افتراض وجود حلول عالمية موحدة.
اليوم 2 — فكّر
وفّر اليوم الثاني مساحة للتأني والتأمل بشكل أعمق؛ حيث طرحنا تساؤلات حول المساهمة، والمشاركة، والعلاقة المتطورة بين القراء والمحررين. ومن خلال ورش عمل لبناء الفرضيات، بدأنا في ربط التوجهات العالمية بالمستقبل المحتمل لمشاريع ويكيميديا.
تأمل شخصي:
تحدى هذا اليوم الكثير من افتراضاتي حول معنى “المساهمة” اليوم. ففي عالم يتلقى فيه الناس المعرفة بشكل متزايد عبر منصات المحتوى القصير والملخصات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، لم يعد المسار التقليدي (اقرأ مقالاً، اضغط على “عدّل”، كن مساهماً) مضموناً كما كان.
إن ما لفت انتباهي لم يكن الاختلاف في الرأي بحد ذاته، بل ذلك “التوتر البنّاء” بين الأفكار الجريئة والحذر. كان هناك توافق واسع حول التحديات التي نواجهها، ولكن كان هناك يقين أقل بشأن المدى والسرعة التي يجب أن يسير بها التغيير. شعرتُ أن هذا كان صادقاً ومهماً؛ فالتفكير في المستقبل لا يتطلب إجماعاً فورياً، بل يتطلب الفضول والانفتاح والاستعداد لتقبل حالة عدم اليقين.
ومع نهاية اليوم، وجدتُ نفسي أتأمل في مدى الترابط الوثيق بين المستهلكين والمساهمين، وكيف أن الأفكار المستقبلية غالباً ما تحتاج إلى وضوح بشأن هدفها: هل تهدف إلى زيادة القراء، أم تعزيز المشاركة، أم خلق أشكال جديدة تماماً من التفاعل؟
اليوم 3 — نفّذ
تحول التركيز في اليوم الأخير من التأمل إلى العمل. وبناءً على الرؤى المستخلصة من الأيام السابقة، عمل المشاركون في مجموعات لتصميم تجارب “آمنة للتجربة” (Safe-to-try)؛ وهي أفكار صغيرة وقابلة للاختبار يمكن استكشافها داخل المجتمعات والمشاريع. وكان التأكيد منصباً على التعلّم من خلال الممارسة، وليس على الوصول إلى الكمال من البداية.
كان هذا اليوم هو الأكثر حيوية بالنسبة لي؛ فلانتقال من الحوارات المجردة إلى التجارب الملموسة جعل النقاشات تبدو واقعية وملهمة للأمل. كما أن صياغة التجربة كخطوة “آمنة للتجربة” قلل من الخوف من الفشل وشجع على الإبداع. لقد عزز ذلك فكرة أن التكيف لا يتطلب التخلي عن القيم الجوهرية، بل يتطلب إيجاد طرق جديدة للتعبير عنها وحمايتها.
لحظات خارج إطار الجلسات
أضفت عدة لحظات خارج البرنامج الرسمي عمقاً عاطفياً لهذه التجربة.
ففي اليوم 2، احتفلنا بالذكرى السنوية الـ 25 لتأسيس ويكيميديا؛ وكان ذلك تذكيراً بأنه بينما يركز “المختبر” على المستقبل، فإنه يستند إلى عقود من الجهود التطوعية الجماعية والإيمان المشترك بالمعرفة الحرة.



وفي اليوم 3، قمنا بزيارة موقع انعقاد أول مؤتمر “ويكيمانيا” في عام 2005. فبعد أيام قضيناها في مناقشة ما سيأتي لاحقاً، كانت العودة إلى المكان الذي بدأت فيه الكثير من ملامح التاريخ المشترك لهذه الحركة تجربة “راسخة” ومؤثرة. إن الاستماع إلى المنظمين الأوائل وهم يتحدثون عن كيفية لقائهم والتحديات التي واجهوها، سلط الضوء على مدى الجرأة والتجريبية التي كانت عليها ويكيبيديا ذات يوم، ومدى أهمية تلك الروح حتى يومنا هذا.

كما كان للقاء المديرة التنفيذية الجديدة لمؤسسة ويكيميديا، “برناديت ميهان”، معنىً خاصاً. إن حضورها في “مختبر المستقبل” وهي تستمع وتطرح الأسئلة وتشارك كأي ويكيميدي آخر يعكس نهجاً قيادياً يرتكز على التواضع والرغبة في التعلم. بالنسبة لي، كان هذا اللقاء مؤثراً بشكل خاص نظراً لإلمامها ببلدي “العراق” وفهمها للسياقات الإقليمية المختلفة.

ختاماً، أضفى التواصل مع المشاركين من الشباب طاقة حيوية على المختبر. إن الحوارات حول اللغة، والثقافة، والهوية، وكيفية جذب وجوه جديدة إلى الحركة، عززت فكرة أن مستقبل ويكيميديا لا يقتصر على التكنولوجيا أو المنصات فحسب، بل يتمحور حول الناس، والشعور بالانتماء، والدوافع الذاتية.

التطلع إلى المستقبل
إن ما أحمله معي من فرانكفورت ليس مجموعة من الإجابات الجاهزة، بل عقلية تؤمن بأهمية الاستماع قبل اتخاذ القرار، والتجريب قبل التوسع، والانفتاح على الأفكار الجريئة وعلى من يشككون فيها على حد سواء. لقد كان “مختبر المستقبل” خطوة واحدة في عملية جماعية أطول، لكنه سلط الضوء على أمر جوهري: إن مستقبل ويكيميديا لن تشكله استراتيجية واحدة، بل ستشكله رغبة مجتمعاتها في التعلم والتكيف والتخيل معاً.
أتطلع الآن إلى مشاركة ونقل ما تعلمته من “مختبر المستقبل” إلى مجتمعي المحلي في “ويكيميديا العراق” والمجتمع العربي الأوسع.
Can you help us translate this article?
In order for this article to reach as many people as possible we would like your help. Can you translate this article to get the message out?
Start translation