
ما الذي يحتاجه العالم منا اليوم؟
الإنترنت يقف عند نقطة تحوّل. إن الاتجاهات العالمية التي ظلّت مؤسسة ويكيميديا والمتطوعون يرصدونها على مدى السنوات الماضية لم تعد بعيدة أو نظرية؛ بل أصبحت تؤثر على ويكيبيديا ومشاريع ويكيميديا في الوقت الراهن. تشهد ويكيبيديا انخفاضاً في مشاهدات الصفحات وحركة الإحالات القادمة من جوجل، وارتفاعاً غير مسبوق في حركة الزيارات الآلية (البوتات). ونعتقد أن هذا ليس ظاهرة مؤقتة، بل تحوّل بنيوي. إن العالم بحاجة إلى أن تتطور مؤسسة ويكيميديا والحركة وتتكيّف مع هذا الواقع.
لا تزال رسالة ويكيميديا ضرورة ملحة. ففي عصر تتنامى فيه المعلومات المضلِّلة والمحتوى غير الموثوق المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، تواصل ويكيبيديا توفير ركيزة حيوية للمعرفة الموثوقة عبر الإنترنت، إنها «الشبكة المعرفية التي تربط العالم الرقمي بأسره.» [المصدر] غير أنه على الرغم من أن المحتوى الذي ينتجه المتطوعون لا يزال بالغ الأهمية للعالم، فإنه يصبح أقل ظهوراً بصورة متزايدة، إذ بات الناس يستهلكون المعلومات عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة وأشكال أخرى من إعادة الاستخدام عبر أطراف ثالثة.
وهذا يطرح تساؤلات جوهرية أمام حركة ويكيميديا:
- حركة الزيارات: كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع تراجع عدد مشاهدات الصفحات، وانخفاض مستوى الظهور، والتحول البنيوي بعيدًا عن الزيارات المحالة عبر محركات البحث؟
- إعادة الاستخدام المسؤول: كيف يمكن أن تبدو إعادة الاستخدام المستدامة لمحتوى ويكيميديا، وكيف نحمي بنيتنا التحتية من سوء الاستغلال؟
- العنصر البشري: ما القيمة الفريدة التي تقدمها ويكيبيديا في عالم يهيمن عليه المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي وتجارب «الصفر نقرة»؟ وكيف يمكننا تعزيز الاستفادة إلى أقصى حد من القوة المتفردة لمجتمعنا العالمي؟
- حماية نموذجنا: كيف يمكننا صون نموذج المساهمة التطوعية في ويكيبيديا، والحفاظ على نموذجها التمويلي واستدامته؟
- الاستدامة طويلة الأمد: كيف يمكننا تمكين ويكبيديا ومشروعات ويكيميديا من الازدهار خلال الخمسة والعشرين عامًا المقبلة وما بعدها على نحوٍ مستدام؟
الازدهار داخل الويكي وخارجه
نرى أن مستقبل ويكيبيديا يعتمد على تكامل مسارين متلازمين: الازدهار داخل الويكي وخارجه. ويعني ذلك الاستثمار في تجربة استخدام أكثر قوة وجاذبية عبر مواقعنا وتطبيقاتنا، بحيث تستقطب القرّاء والمساهمين والمتبرعين وتدفعهم للعودة إليها باستمرار. كما يعني تطوير نموذج مستدام لإعادة الاستخدام، يصل إلى الجمهور حيثما كان، ويعيد القيمة بل ويسهم في استقطاب مساهمين جدد إلى ويكيبيديا، بدلًا من الاكتفاء بتحويل حركة الزيارات بعيدًا عنها. لكي تظل ويكيبيديا مزدهرة وذات صلة في هذا المشهد المتغير، ينبغي أن تحقق النجاح على المستويين معًا: داخل الويكي وخارجه.

أهداف المؤسسة 2026–2027
كيف سنحقق ذلك؟ من خلال التركيز على أربعة أهداف رئيسة خلال الفترة 2026–2027:
- زيادة نطاق الوصول وتوسيع حضورنا وتنويع مصادر الزيارات بعيدًا عن البحث التقليدي. فقد كان ما يقارب 90٪ من زوّار ويكيبيديا يصلون تاريخيًا عبر البحث في جوجل، إلا أن هذا التدفق المجاني يشهد اليوم تراجعًا بنيويًا، وهو تحول يطال مختلف ناشري المحتوى على الإنترنت، لا ويكيبيديا وحدها. وهذا يقتضي تنمية أشكال جديدة من الزيارات المباشرة (مثل مصادر الإحالة الجديدة وتنزيلات تطبيقات الهواتف المحمولة)، وتنويع قنوات الوصول بحيث لا نعتمد على مصدر واحد. فلم يعد المستخدمون يعثرون على محتوى ويكيميديا عرضًا كما في السابق، مما يؤثر في مستوى ظهوره، وبالتالي في الإيرادات ودافعية المحررين. ويتطلب ذلك الاستثمار في وسائل جديدة -وغالبًا أكثر صعوبة وكلفة- للوصول إلى القراء والمحررين والمساهمين في المستقبل.
- تعميق التفاعل: دعم مجتمع المساهمين وتحويل القراء العابرين إلى قراء دائمين ومحررين ومتبرعين. فكثير من مستخدمي ويكيبيديا يزورونها لفترة وجيزة، يعثرون على معلومة واحدة ثم يغادرون. لذا نحتاج إلى جعل تجربة القراءة أكثر جذبًا واستمرارية، بما يدفع القراء العابرين إلى العودة، ثم التحول إلى قراء نشطين، ومن ثم إلى محررين ومتبرعين بأعداد أكبر. وفي عالم أصبحت فيه كل زيارة أكثر أهمية، سنركز على مسار الجمهور (انظر أدناه)، الذي يعيد المستخدمين من المحتوى خارج الويكي إلى التجربة داخل الويكي، ويحوّل القراء العابرين إلى نشطين، ثم إلى مشاركين ومتبرعين، بل وإلى جيل جديد من قادة المجتمع.
- حماية مشروعاتنا: صون نموذجنا واستدامته والدفاع عنه. إذ بات المتطوعون والقيم التي تقوم عليها ويكيبيديا عرضة لتهديدات متزايدة. وسنعمل على توفير الحماية والدعم القانوني اللازمين للمتطوعين، والدفاع عن وجهة النظر المحايدة في عرض وجهات النظر في عالم تتزايد فيه النزاعات حول الحقائق وتسييسها. كما سنعزز حماية البنية التحتية لويكيميديا.
وتدعم هذه الأهدافَ غايةٌ رابعة تُمكّن من تحقيقها:
- بناء السرعة والمرونة: دعم الأفراد والأنظمة التي تقف وراء هذا العمل، وتعزيز وتيرة الأداء وكفاءته عبر طواقم المؤسسة وأنظمتها وبنيتها التحتية التقنية. ويشمل هذا الهدف الجهود الرامية إلى تأمين الدعم المالي اللازم لتحقيق رسالتنا، بما في ذلك الاستمرار في تنمية مصادر إيرادات متنوعة مثل شركة ويكيميديا ومجلس هبات ويكيميديا، بما يكفل صون الاستدامة المستقبلية لمشروعات ويكيميديا.
لماذا هذا النهج؟
إن التحولات في حركة الزيارات وأنماط إعادة استخدام المحتوى تعني أن القرّاء والمتبرعين والمساهمين في المستقبل سيصلون إلى ويكيبيديا بطرق تختلف عمّا كان عليه الحال في الماضي. وكان التوجه الاستراتيجي لحركة ويكيميديا لعام 2017 القاضي بأن تصبح «البنية التحتية الأساسية لمنظومة المعرفة الحرة» قد تحقق إلى حدٍّ كبير. غير أن مجرد بلوغ هذا الموقع قد لا يكون كافيًا لضمان مستقبل المعرفة الحرة. فالسؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن الاضطلاع بهذا الدور على نحوٍ يحافظ على نموذج المساهمة في ويكيبيديا، ويصون قيمها الجوهرية، ويكفل استدامتها المالية؟ ومع استمرار الاسترشاد بتوصيات استراتيجية الحركة لعام 2030، فإن الاستجابة للتحولات العالمية التي تواجهها الحركة تتطلب منا الاعتماد بصورة أكبر على مبدأ «التقييم، والتكرار، والتكيّف».
يُعدّ ويكبيديا أبرز مشروعات ويكيميديا من حيث الظهور وإعادة الاستخدام. وخلال العام المقبل، سنبني على هذا الدور التأسيسي الذي تؤديه ويكيبيديا داخل منظومة المعلومات، من أجل تعزيز حركة الزيارات وزيادة حضور محتوى ويكيميديا. ويشمل ذلك العمل على رفع عدد الزيارات إلى ويكيبيديا، وتعميق دعم المحررين، وتزويد المستخدمين ذوي الصلاحيات المتقدمة بالأدوات المُحسّنة والدعم اللازم لمواجهة التحديات المتزايدة. ومن خلال الاستثمار كذلك خارج الويكي بهدف توجيه قراء ومساهمين ومتبرعين جدد نحو ويكيبيديا، يمكننا الإسهام في ضمان بقاء مشروعات ويكيميديا مستدامة ماليًا، وموثوقة اجتماعيًا، وذات صلة عامة، ومستقلة من حيث بنيتها.
من القرّاء إلى المساهمين والمتبرعين: مسار الجمهور
لتحويل القرّاء العابرين إلى قرّاء نشطين ومحررين ومتبرعين بمعدلات أعلى، سنركّز على نقل المستخدمين عبر مسار الجمهور، من خلال تجارب موجّهة، وتحسينات في تجربة المستخدم، واستخدام مؤشرات قياس في كل مرحلة، بما يسهم في تحويل المستهلكين السلبيين إلى مشاركين فاعلين.
وتكمن في ذلك فرصة واسعة النطاق؛ إذ نقدّر أن نحو 5 مليارات من مستخدمي الإنترنت يطّلعون بالفعل على محتوى ويكيبيديا بشكلٍ أو بآخر، سواء عبر مواقعنا أو من خلال إعادة الاستخدام من قبل أطراف ثالثة. ومن بين هؤلاء، يدرك 3.3 مليارات وجود ويكيبيديا، في حين يقرأ ما يقارب 1.5 مليار مستخدم أي نحو 27٪ من إجمالي مستخدمي الإنترنت محتواها شهريًا داخل الويكي.

| «خارج الويكي» من أصل 5.5 مليار شخص يستخدمون الإنترنت حول العالم، هناك حوالي 5 مليارات يطّلعون على محتوى ويكيبيديا بشكل أو بآخر -سواء عبر ملخصات أو اقتباسات أو إعادة نشر في مواقع أخرى- لكن فقط حوالي 3.3 مليار منهم يدركون فعلاً أن هذا المحتوى مصدره ويكيبيديا. | «داخل الويكي» من بين كل مستخدمي الإنترنت حول العالم، حوالي 1.5 مليار شخص يدخلون ويكيبيديا فعلاً ويقرؤون منها -أي ما يعادل 27٪ تقريباً. لكن من هؤلاء القرّاء، 7.7 مليون فقط يتبرعون لدعم المشروع (نسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.51٪)، وعدد أقل بكثير -حوالي 273 ألف شخص فقط، أي 0.02٪- هم من يساهمون فعلياً في تحرير المحتوى وكتابته. |
يمنح ذلك ويكيبيديا أصلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية يساعدنا على اجتياز هذه المرحلة الانتقالية. غير أنّه يتعيّن علينا استثمار هذه القوة في الوقت الراهن، ما دام نطاق وصولنا ومستوى الوعي بعلامتنا لا يزالان مرتفعين. فالتراجع في حركة الزيارات الذي نشهده حاليًا يعني ضرورة تعزيز الأعداد في قمة «مسار الجمهور»، أي زيادة إجمالي إعادة استخدام محتوى ويكيميديا وتعزيز الوعي بويكيبيديا. وفي الوقت نفسه رفع معدلات التحويل في أسفل المسار، من خلال تحويل القرّاء إلى قرّاء دائمين، ومحررين مستمرين، ومتبرعين. وخلال هذا العام، سنحافظ على تركيز دقيق ومكثّف على قياس «مسار الجمهور»، لضمان أننا نجري التجارب ونُدخل التحسينات على نحوٍ صحيح يقرّبنا من تحقيق هذه الأهداف.
جعل التحرير أسهل وأكثر كفاءة
إن وجود مجتمع محررين صحي ومتنامٍ يُعد عنصرًا حاسمًا لمستقبل ويكيبيديا. ومن هذا المنطلق، سنستثمر في تطوير منظومة من لوحات المعلومات المُخصّصة، تُسهم في مساعدة القرّاء على التحول إلى محررين، وتدعم المحررين الجدد في مسيرتهم نحو اكتساب الخبرة والترقي إلى أدوار أكثر تقدمًا، بما في ذلك الإشراف. ويمكن لهذه اللوحات أن تساعد المبتدئين على التطور إلى مستويات أكثر تقدمًا، كما تُعين المتطوعين ذوي الخبرة على تحديد ما يحتاج إلى اهتمام، مثل النقاشات الجارية أو حالات التخريب المحتملة في المقالات التي يتابعونها. كما أن وضوح الأهداف، وتوافر مؤشرات قياس الأثر، وتعزيز الروابط بين المساهمين، من شأنه أن يعمّق الدافعية، ويرفع من معدلات استبقاء المحررين، ويعزز المشاركة المستدامة على المدى الطويل.
سنعمل كذلك على تطوير أساليب جديدة تُمكّن المحرّرين من فهم متى وكيف يتفاعل القرّاء مع المحتوى. وقد يشمل ذلك إتاحة بيانات مُجمَّعة تُظهر مدى تكرار الربط إلى الصفحات من مواقع أخرى، مثل جوجل أو تيك توك. ويتمثل الهدف في تمكين المحرّرين من ترتيب أولوياتهم التحريرية استنادًا إلى رؤى أوضح حول المعارف التي يزداد الطلب عليها. (فعلى سبيل المثال، إذا كان مصطلح بحث شائع يقود إلى مقالة غير ملائمة، يمكن للمحرّرين إنشاء تحويلات أو توسيع المحتوى بما يلبي احتياجات القرّاء على نحوٍ أفضل).
وانسجامًا مع توصيات مجلس الاستشارات للمنتجات والتقنية، سنواصل التركيز على تسهيل التحرير عبر الأجهزة المحمولة. فالتحريرات المُنظَّمة، على سبيل المثال، تُسهم في تقسيم عملية التحرير على الهاتف إلى مهام أصغر وموجَّهة. وبالنسبة إلى المستخدمين ذوي الصلاحيات المتقدمة، يمكن للأتمتة الأذكى مثل اقتراح التحقيق في الأنشطة المشبوهة أن تُقلّص من أعباء الإشراف المتكررة المرتبطة غالبًا بتزايد أعداد المستخدمين الجدد، بما يتيح لهم التركيز على مهام ذات أثر أكبر. كما سنعمل على حماية حسابات المستخدمين من خلال تعزيز تدابير الأمان.

منظومة حية للمعرفة
كما أشار عددٌ من الويكيميديين، فإن ويكيبيديا وسائر مشروعاتنا تشبه إلى حدٍّ كبير نظامًا بيئيًا حيًا يتطور ويتكيف مع مرور الزمن. وعلى مدى العقدين الماضيين، استندت استدامة ويكيبيديا إلى شلال شبه عَرَضي من حركة الزيارات المجانية القادمة عبر الإحالات من محرك البحث جوجل تيارٍ متدفق من القرّاء والمتبرعين والمساهمين. غير أن هذا الشلال أخذ اليوم يغيّر مساره، وقد يكون في طريقه إلى الجفاف. وكما لاحظ متطوعو ويكيبيديا منذ زمن (1، 2)، فإن الركيزة الأساسية للمجتمع والمتمثلة في أكثر الإداريين والمستخدمين ذوي الصلاحيات المتقدمة نشاطًا لم تعد تُجدَّد بالوتيرة اللازمة لضمان ازدهار ويكيبيديا عبر الأجيال القادمة.
عندما تتعرض الأنظمة النباتية الحية لإجهاد مائي، فإنها عادةً ما تقوم بأمرين:
- البحث عن مصادر مياه جديدة: ومن هنا يأتي تركيزنا على تنويع مصادر الزيارات، بما يتيح لنا تجاوز الاعتماد التقليدي على تدفّق الإحالات القادمة من محرك البحث جوجل.
- تعميق الجذور: ومن هنا ينبع تركيزنا على تعزيز التفاعل أي تحويل القرّاء العابرين إلى قرّاء دائمين، ثم تحويل هؤلاء القرّاء الدائمين إلى محرّرين ومتبرعين.
لو كان للخطة السنوية 2026–2027 رمزٌ مُعبِّر، لكان شجرة الراعي، وهي نباتٌ معروف بامتلاكه أعمق بنية جذور مُسجَّلة على سطح الأرض، إذ تمتد جذوره إلى أعماق قد تبلغ 68 مترًا (230 قدمًا). ولا تسعى هذه الشجرة إلى المياه السطحية الضحلة؛ بل تتوغّل عميقًا. وبذلك تزدهر في واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض، وهي صحراء كالاهاري.
ونرى أن ويكيبيديا تواجه لحظة مماثلة من الضغط البيئي، وتحتاج إلى تكيّف مماثل. إذ ينبغي لها أن تُعمّق جذورها، من خلال تحويل القرّاء العابرين إلى قرّاء نشطين، ثمإلى محرّرين ومتبرعين يواصلون مشاركتهم ويُعمّقون انخراطهم بمرور الوقت. ومن خلال ذلك، يمكن تجديد النموذج الذي جعل ويكيبيديا على غرار شجرة الراعي مصدرًا للمعرفة والإلهام في مشهد رقمي يزداد قسوةً وتعقيدًا.
Can you help us translate this article?
In order for this article to reach as many people as possible we would like your help. Can you translate this article to get the message out?
Start translation